فصل: تفسير الآيات (43- 44):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآية رقم (41):

{وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)}
{وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ} أفرد الإيمانَ بالقرآن بالأمر به لما أنه العُمدةُ القصوى في شأن الوفاء بالعهود {مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ} من التوراة، والتعبير عنها بذلك للإيذان بعلمهم بتصديقه لها، فإن المعيةَ مِئنّةٌ لتكرر المراجعة إليها والوقوفِ على ما في تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكونه مصدقاً لها ومعنى تصديقِه للتوراة أنه نازلٌ حسبما نُعت فيها أو من حيث أنه موافقٌ لها في القصص والمواعيدِ والدعوة إلى التوحيد والعدلِ بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش: وأما ما يتراءى من مخالفته لها في بعض جزئياتِ الأحكام المتفاوتةِ بحسَب تفاوتِ الأعصارِ فليست بمخالفةٍ في الحقيقة، بل هي موافِقة لها من حيث إن كلاً منها حقٌّ بالإضافة إلى عصره وزمانِه، متضمِّنٌ للحكم التي عليها يدور ذلك التشريع، وليس في التوراة دلالة على أبدية أحكامِها المنسوخةِ حتى يخالفَها ما ينسخها، وإنما تدلُّ على مشروعيتها مطلقاً من غير تعرُّضٍ لبقائها وزوالها، بل نقول هي ناطقةٌ بنسخ تلك الأحكام، فإن نُطقها بصحة القرآن الناسخِ لها نطقٌ بنسخها، فإذن مناطُ المخالفة في الأحكام المنسوخةِ إنما هو اختلافُ العصر حتى لو تأخَّر نزولُ المتقدّم لنزلَ على وَفْق المتأخِّر ولو تقدم نزولُ المتأخر لوافق المتقدّمَ قطعاً، ولذلك قال عليه السلام: «لو كان موسى حياً لما وسِعه إلا اتّباعي» وتقييدُ المُنْزَلِ بكونه مصدقاً لما معهم لتأكيد وجوبِ الامتثالِ بالأمر فإن إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمانَ بما يصدِّقه قطعاً.
{وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} أي لا تسارعوا إلى الكفر به، فإن وظيفتكم أن تكونوا أولَ من آمن به لما أنكم تعرِفون شأنَه وحقِّيتَه بطريق التلقي مما معكم من الكتُب الإلهيةِ كما تعرِفون أبناءكم، وقد كنتم تستفتِحون به وتبشِّرون بزمانه كما سيجيء، فلا تضعوا موضعَ ما يُتوقّع منكم ويجب عليكم ما لا يُتوهم صدورُه عنكم من كونكم أولَ كافر به، ووقوع أول كافر به خبراً من ضمير الجمع بتأويل أولِ فريق أو فوج، أو بتأويل لا يكنْ كلُّ واحد منكم أولَ كافر به، كقولك: كسانا حُلةً، ونهيُهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي العربِ أقدمُ منهم لما أن المرادَ به التعريضُ لا الدلالةُ على ما نَطَق به الظاهر، كقولك: أما أنا فلستُ بجاهل، لأن المراد نهيُهم عن كونهم أولَ كافر {به} من أهل الكتاب، أو ممن كفر بما عنده، فإن مَنْ كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدِّقه أو مثلُ من كفر من مشركي مكةَ، وأول: أفعلُ لا فِعلَ له، وقيل: أصله أوْأَل، من وَأَل إليه إذا نجا وخلُص، فأُبدلت الهمزةُ واواً تخفيفاً غيرَ قياسي، أو أَأْوَل من آلَ فقلبت همزتُه واواً وأدغمت.
{وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي} أي لا تأخُذوا لأنفسكم بدلاً منها {ثَمَناً قَلِيلاً} من الحظوظ الدنيوية، فإنها وإن جلت قليلةٌ مسترذلة بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرةِ بترك الإيمان، قيل: كانت لهم رياسةٌ في قومهم ورسومٌ وعطايا فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختاروها على الإيمان، وإنما عُبِّر عن المشتري الذي هو العُمدة في عقود المعاوضة والمقصودُ فيها بالثمن الذي شأنه أن يكون وسيلةً فيها، وقُرنت الآياتُ التي حقُّها أن يتنافسَ فيها المتنافسون بالباء التي تصحَبُ الوسائل إيذاناً بتعكيسهم حيث جعلوا ما هو المقصِدُ الأصليُّ وسيلةً، والوسيلةُ مقصداً.
{وإياى فاتقون} بالإيمان واتباعِ الحقِ والإعراض عن حطام الدنيا ولما كانت الآية السابقةُ مشتملةً على ما هو كالمبادئ لما في الآية الثانيةِ فُصِّلت بالرهبة التي هي من مقدِّمات التقوى، أو لأن الخطابَ بها لما عمَّ العالِمَ والمقلِّدَ أُمر فيها بالرهبة المتناولةِ للفريقين، وأما الخطابُ بالثانية فحيث خُصَّ بالعلماء أُمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى.

.تفسير الآية رقم (42):

{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)}
{وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل} عطفٌ على ما قبله واللَّبْسُ الخَلْطُ، وقد يلزمه الاشتباهُ من المختلطين، والمعنى لا تخلِطوا الحقَّ المُنْزَلَ بالباطل الذي تخترعونه وتكتُبونه حتى يشتبِهَ أحدُهما بالآخر، أو لا تجعلوا الحقَّ ملتبساً بسبب الباطل الذي تكتُبونه في تضاعيفه، أو تذكُرونه في تأويله {وَتَكْتُمُواْ الحق} مجزوم داخلٌ تحت حكمِ النهي كأنهم أُمروا بالإيمان وتركِ الضلال، ونُهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحقَ والإخفاءِ عمن لم يسمعه، أو منصوبٌ بإضمار أن على أن الواوَ للجمع، أي لاتجمعوا بين لَبْس الحقِّ بالباطل وبين كتمانِه، ويعضُده أنه في مُصحف ابن مسعود وتكتُمون أي وأنتم تكتمون أي كاتمين، وفيه إشعارٌ بأن استقباحَ اللَبسِ لما يصحبُه من كتمان الحق. وتكريرُ الحق إما لأن المرادَ بالأخير ليس عينَ الأول بل هو نعتُ النبي صلى الله عليه وسلم الذي كتَموه وكتبوا مكانه غيرَه كما سيجىء في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ} وإما لزيادةِ تقبيحِ المنهيِّ عنه، إذ في التصريح باسمِ الحق ما ليس في ضميره.
{وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي حال كونِكم عالمين بأنكم لابسون كاتمون، أو أنتم تعلمون أنه حق أو أنتم من أهل العلم، وليس إيرادُ الحالِ لتقييد النهي به كما في قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى} بل لزيادة تقبيحِ حالهم، إذ لجاهل عسى يُعذر.

.تفسير الآيات (43- 44):

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)}
{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكواة} أي صلاةَ المسلمين وزكاتَهم فإن غيرَهما بمعزلٍ من كونه صلاةً وزكاةً، أمرهم الله تعالى بفروعِ الإسلام بعد الأمرِ بأصوله {واركعوا مَعَ الراكعين} أي في جماعتهم فإن صلاةَ الجماعةِ تفضُل صلاة الفذِ بسبعٍ وعشرين درجة، لما فيها من تظاهُر النفوسِ في المناجاة، وعُبِّر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود وقيل: الركوعُ والخضوعُ والانقيادُ لما يُلزِمُهم الشارعُ. قال الأضبطُ بنُ قُريع السعدي:
لا تحقِرَنّ الضعيفَ عَلَّك أن ** تركَعَ يوماً والدهرُ قد رَفَعَهْ

{أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر} تجريدٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى بعضهم بعد توجيهِه إلى الكل والهمزةُ فيها تقريرٌ مع توبيخٍ وتعجيبٍ والبِرُّ التوسُّعُ في الخير من البَرّ الذي هو الفضاءُ الواسعُ يتناول جميعَ أصنافِ الخيرات، ولذلك قيل البر ثلاثة: بِرٌّ في عبادة الله تعالى، وبِرٌّ في مراعاة الأقارب، وبِرٌّ في معاملة الأجانب.
{وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} أي تتركونها من البر كالمَنْسيات عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلتْ في أحبارِ المدينة كانوا يأمُرون سراً من نصَحُوه باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه طمعاً في الهدايا والصِلاتِ التي كانت تصلُ إليهم من أتباعهم وقيل: كانوا يأمُرون بالصدقة ولا يتصدقون، وقال السدي: أنهم كانوا يأمرون الناسَ بطاعة الله تعالى وينهَوْنَهم عن معصيته وهم يتركون الطاعة ويُقْدِمون على المعصية، وقال ابن جريج: كانوا يأمرون الناسَ بالصلاة والزكاة وهم يتركونهما ومدارُ الإنكارِ والتوبيخِ هي الجملةُ المعطوفة دون ما عُطفت هي عليه.
{وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب} تبكيتٌ لهم وتقريعٌ كقوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي والحالُ أنكم تتلون التوراةَ الناطقةَ بنعوته صلى الله عليه وسلم الآمرةِ بالإيمان به أو بالوعد بفعل الخيرِ والوعيدِ على الفسادِ والعنادِ وتركِ البِر ومخالفةِ القولِ العملَ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أتتلونه فلا تعقِلون ما فيه، أو قبحَ ما تصنعون حتى ترتدعوا عنه، فالإنكارُ متوجِّهٌ إلى عدم العقل بعد تحققِ ما يوجبه فالمبالغة من حيث الكيفُ، أو ألا تتأملون فلا تعقلون، فالإنكارُ متوجِّه إلى كلا الأمرين، والمبالغةُ حينئذ من حيث الكم، والعقلُ في الأصل المنعُ والإمساك، ومنه العِقالُ الذي يُشدُّ به وظيفُ البعير إلى ذراعه لحبسِه عن الحَراك. سُمّي به النورُ الروحاني الذي به تُدرِك النفسُ العلومَ الضرورية والنظريةَ لأنه يحبِسُه عن تعاطي ما يقبُح ويعقِله على ما يحسُن، والآية كما ترى ناعيةٌ على كل من يعِظُ غيرَه ولا يتعظ بسوء صنيعِه وعدمِ تأثره وإن فِعْلَه فعلُ الجاهلِ بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل، والمرادُ بها كما أشير إليه حثُّه على تزكية النفس والإقبالُ عليها بالتكميل لتقوم بالحقِّ فتقيمَ غيرَها، لا منعُ الفاسق عن الوعظ.
يروى أنه كان عالم من العلماء مؤثِّرُ الكلام قويُّ التصرف في القلوب، وكان كثيراً ما يموتُ من أهل مجلسه واحدٌ أو اثنان من شدة تأثير وعظِه، وكان في بلده عجوزٌ لها ابنٌ صالحٌ رقيقُ القلب سريعُ الانفعال وكانت تحترز عليه وتمنعُه من حضور مجلس الواعظِ فحضَره يوماً على حين غفلةٍ منها فوقع من أمر الله تعالى ما وقع ثم إن العجوز لقِيت الواعظَ يوماً في الطريق فقالت:
لِتهدي الأنام ولا تهتدي ** ألا إنّ ذلك لا ينفعُ

فيا حَجَرَ الشَّحْذ حتى متى ** تسُنُّ الحديدَ ولا تقطع

فلما سمعه الواعظ شهَق شهقةً فخرَّ عن فرسه مغشياً عليه فحمَلوه إلى بيته فتُوفّي إلى رحمة الله سبحانه.

.تفسير الآيات (45- 47):

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)}
{واستعينوا بالصبر والصلاة} متصلٌ بما قبله كأنهم لما كُلفوا ما فيه من مشقةٌ من ترك الرياسةِ والإعراضِ عن المال عولجوا بذلك والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النُّجْحِ والفرَج توكلاً على الله تعالى أو بالصوم الذي هو الصبرُ عن المفطِرات لما فيه من كسر الشهوةِ وتصفيةِ النفس والتوسل بالصلاة والالتجاءِ إليها فإنها جامعةٌ لأنواع العبادات النفسانية والبدنية، من الطهارة وسترِ العورة وصرفِ المال فيهما والتوجهِ إلى الكعبة والعكوفِ على العبادة وإظهارِ الخشوعِ بالجوارحِ وإخلاصِ النية بالقلب ومجاهدةِ الشيطان ومناجاة الحقِّ وقراءةِ القرآنِ والتكلمِ بالشهادة وكفِّ النفسِ عن الأطيبَيْنِ حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب.
روي أنه عليه السلام كان إذا حزَّ به أمرٌ فزِعَ إلى الصلاة ويجوز أن يُرادَ بها الدعاء {وَإِنَّهَا} أي الاستعانةَ بهما أو الصلاة وتخصيصَها بردِّ الضمير إليها لعِظم شأنِها واشتمالِها على ضروبٍ من الصبر كما في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا} أو جُملةِ ما أُمروا بها ونُهوا عنها {لَكَبِيرَةٌ} لثقيلة شاقةٌ كقوله تعالى: {كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} {إِلاَّ عَلَى الخاشعين} الخشوعُ الإخباتُ ومنه الخشْعةُ للرملة المتطامنةِ والخضوعُ اللين والانقيادُ ولذلك يقال: الخشوعُ بالجوارح والخضوعُ بالقلب وإنما لم تثقُلْ عليهم لأنهم يتوقعون ما أُعد لهم بمقابلتها فتهونُ عليهم ولأنهم يستغرقون في مناجاة ربِّهم فلا يُدركون ما يجري عليهم من المشاقِّ والمتاعبِ، ولذلك قال عليه السلام: «وجُعِلَ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة» والجملةُ حاليةٌ أو اعتراضٌ تذييلي {الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجعون} أي يتوقعون لقاءَه تعالى ونيلَ ما عنده من المثوبات، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إليهم للإيذان بفيضَان إحسانِه إليهم أو يتيقنون أنهم يُحشرون إليه للجزاءِ فيعمَلون على حسب ذلك رغبةً ورهبة، وأما الذين لا يوقنون بالجزاء ولا يرجُون الثوابَ ولا يخافون العقابَ كانت عليهم مشقةً خالصةً فتَثْقُلُ عليهم، كالمنافقين والمرائين، فالتعرُضُ للعنوان المذكور للإشعار بعلِّية الربوبيةِ والمالكيةِ للحُكْم، ويؤيده أن في مصحفِ ابنِ مسعود رضي الله عنه {يعلمون} وكأن الظنَّ لما شابه العلم في الرُّجحان أطلق عليه لتضمين معنى التوقع قال:
فأرسلْتُه مستيقِنَ الظنِّ إنه ** مخالطُ ما بين الشراسيفِ جائفُ

وجعل خبر إن في الموضعين اسماً للدلالة على تحقق اللقاء والرجوعِ وتقرُّرِهما عندهم {يا بنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} كُرر التذكيرُ للتأكيد ولربط ما بعده من الوعيد الشديدِ به {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ} عطفٌ على نعمتيَ عطفَ الخاصِّ على العامِّ لكماله أي فضلتُ آباءَكم {عَلَى العالمين} أي عالَمِي زمانِهم بما منحتُهم من العلم والإيمانِ والعملِ الصالحِ وجعلتُهم أنبياءَ وملوكاً مُقسِطين، وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام وبعده قبل أن يغيّروا.

.تفسير الآيات (48- 49):

{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)}
{واتقوا يَوْمًا} أي حسابَ يومٍ أو عذابَ يوم {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} أي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق فانتصابُ شيئاً على المفعولية أو شيئاً من الجزاء فيكون نصبُه على المصدرية وقرئ {لا تُجزِي}: أي لا تغني عنها فيتعين النصبُ على المصدرية، وإيرادُه منكراً مع تنكير النفسِ للتعميم والإقناطِ الكليّ، والجملة صفةُ {يوماً} والعائد منها محذوف أي لا تَجْزي فيه ومن لم يجوز الحذفَ قال: اتُسع فيه فحُذف الجارُّ وأُجرِيَ المجرورُ مجرى المفعولِ به ثم حُذِفَ في قول من قال:
فما أدري أغَيَّرهمْ تناء ** وطولُ العهدِ أم مالٌ أصابوا

أي أصابوه {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي من النفس الثانية العاصيةِ أو من الأولى، والشفاعةُ من الشفْع كأن المشفوعَ له كان فرداً فجعله الشفيعُ شفعاً والعدلُ الفدية وقيل: البدل، وأصله التسوية سُمي به الفديةُ لأنها تساوي المَفْدِيَّ وتَجزي مَجزاه {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي يُمنعون من عذاب الله عز وجل، والضميرُ لما دلت عليه النفسُ الثانية المنَكّرة الواقعةُ في سياق النفي من النفوس الكثيرة، والتذكيرُ لكونها عبارةً عن العبّاد والأَناسيِّ، والنُصرةُ هاهنا أخصُّ من المعونة لاختصاصها بدفع الضرر وكأنه أريد بالآية نفيُ أن يَدفعَ العذابَ أحدٌ عن أحد من كل وجهٍ محتمل، فإنه إما أن يكون قهراً أو لا والأول النُّصرة، والثاني إما أن يكون مجّاناً أو لا، والأولُ الشفاعة والثاني إما أن يكونَ بأداء عينِ ما كان عليه وهو أن يجزيَ عنه أو بأداء غيرِه وهو أن يُعطيَ عنه عَدْلاً وقد تمسكت المعتزلةُ بهذه الآية على نفي الشفاعةِ لأهل الكبائرِ، والجوابُ أنها خاصة بالكفار للآيات الواردة في الشفاعة والأحاديثِ المرويةِ فيها ويؤيده أن الخطابَ معهم ولردهم عما كانوا عليه من اعتقاد أن آباءَهم الأنبياءَ يشفعون لهم {وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ} تذكيرٌ لتفاصيلِ ما أُجمل في قوله تعالى: {نِعْمَتِى التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} من فنون النَعماء وصنوفِ الآلاءِ أي واذكروا وقت تنجيتِنا إياكم أي آباءَكم فإن تنجيتَهم تنجيةٌ لأعقابهم، وقرئ: أنجيتُكم وأصلُ آلٍ أهْلٌ لأن تصغيره أُهيل وخص بالإضافة إلى أولي الأخطارِ كالأنبياء عليهم السلام والملوك، وفرعونُ لقبٌ لمن ملك العمالقة ككسرى لملِك الفرسِ وقيصرَ لملك الروم وخاقانَ لملك التُرك، ولعُتُوِّه اشتُق منه تفَرْعَنَ الرجلُ إذا عتا وتمرَّد، وكان فرعونُ موسى عليه السلام مُصعبُ بنُ ريانَ وقيل: ابنهُ وليداً من بقايا عادٍ، وقيل: إنه كان عطّاراً أصفهانياً ركبتْه الديونُ فأفلس فاضطُر إلى الخروج فلحِقَ بالشام فلم يتسنَّ له المقامُ به فدخل مصْرَ فرأى في ظاهره حِمْلاً من البطيخ بدرهم، وفي نفسه بِطِّيخةٌ بدرهم فقال في نفسه: إن تيسر لي أداءُ الدين فهذا طريقُه فخرج إلى السواد فاشترى حملاً بدرهم فتوجه به إلى السوق فكل من لقِيه من المكّاسين أخذ منه بِطيخة فدخل البلد وما معه إلا بطيخةٌ فباعها بدرهم ومضى لوجهه ورأى أهلَ البلد متروكين سُدى لا يتعاطى أحدٌ سياستهم، وكان قد وقع بهم وباءٌ عظيمٌ فتوجه نحوَ المقابر فرأى ميْتاً يُدفن فتعرَّض لأوليائه فقال: أنا أمينُ المقابرِ فلا أدعُكم تدفِنونه حتى تعطوني خمسةَ دراهمَ فدفعوها إليه ومضى لآخرَ وآخرَ حتى جمع في مقدار ثلاثة أشهرٍ مالاً عظيماً ولم يُتعرضْ له قطُّ إلى أن تعرَّض يوماً لأولياء ميتٍ فطلب منهم ما كان يطلب من غيرهم فأبَوْا ذلك فقالوا: من نصَّبك هذا المنصِبَ فذهبوا به إلى فرعون فقال: من أنت ومن أقامك بهذا المَقام؟ قال: لم يُقِمْني أحد وإنما فعلتُ ما فعلتُ ليُحضِرَني أحد إلى مجلسك فأُنبِّهَك على اختلال حال قومِك وقد جمعتُ بهذا الطريق هذا المقدارَ من المال فأحضَره ودفعه إلى فرعون فقال: ولِّني أمورَك ترَني أميناً كافياً فولاه إياها فسار بهم سيرةً حسنة فانتظمتْ مصالحُ العسكر واستقامت أحوالُ الرعية ولبث فيهم دهراً طويلاً وترامى أمرُه في العدل والصلاحِ فلما مات فرعون أقاموه مُقامه فكان من أمره ما كان وكان فرعونَ يوسفَ ريانُ وكان بينهما أكثرُ من أربعمائة سنة {يَسُومُونَكُمْ} أي يبغونكم من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً وأصله الذهاب في طلب الشيء {سُوء العذاب} أي أفظعَه وأقبحه بالنسبة إلى سائره والسُوء مصدرٌ من ساء يسوءُ ونصبُه على المفعولية ليسومونكم، والجملةُ حالٌ من الضمير في نجّيناكم أو من آلِ فرعونَ أو منهما جميعاً لاشتمالها على ضميريهما {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ} بيانٌ ليسومونكم ولذلك تُرك العاطفُ بينهما وقرئ {يَذْبحون} بالتخفيف وإنما فعلوا بهم ما فعلوا لما أن فرعونَ رأى في المنام أو أخبره الكهنةُ أنه سيولد منهم من يذهب بمُلكه فلم يردَّ اجتهادُهم من قضاء الله عز وجل شيئاً قيل: قتلوا بتلك الطريقة تسعمائة ألف مولود وتسعين ألفاً وقد أعطى الله عز وجل نفس موسى عليه السلام من القوة على التصرف ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا أحياء ولذلك كانت معجزاته ظاهرةً باهرة {وَفِى ذلكم} إشارة إلى ما ذكر من التذبيح والاستحياء أو إلى الإنجاء منه، وجمعُ الضمير للمخاطبين، فعلى الأول معنى قوله تعالى: {بَلاء} محنةٌ وبلية وكونُ استحياءِ نسائهم أي استبقائهن على الحياة محنةً مع أنه عفو وتركٌ للعذاب لما أن ذلك كان للاستعمال في الأعمال الشاقة وعلى الثاني نعمةٌ وأصلُ البلاء الاختبار، ولكن لما كان ذلك في حقه سبحانه مُحالاً وكان ما يجري مَجرى الاختبارِ لعباده تارةً بالمحنة وأخرى بالمِنْحة أُطلق عليهما، وقيل: يجوز أن يُشارَ بذلكم إلى الجملة ويرادَ بالبلاء القدرُ المشترك الشاملُ لهما {مّن رَّبّكُمْ} من جهته تعالى بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام وبتوفيقه لتخليصكم منهم أو بهما معاً {عظِيمٌ} صفةٌ لبلاءٌ وتنكيرُهما للتفخيم، وفي الآية الكريمة تنبيهٌ على أن ما يصيب العبدَ من السرَّاء والضراءِ من قبيل الاختبارِ فعليه الشكرُ في المسار والصبرُ على المضارِّ.